ابن حزم

336

رسائل ابن حزم الأندلسي

3 - تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً ، وهو طرد الهم ( 1 ) : فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولا في طلبه فقط ، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم هممهم وإراداتهم ( 2 ) لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم ، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم . فمن مخطئ وجه سبيله ، ومن مقارب للخطأ ، ومن مصيب ، وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره ، والله أعلم . [ فطرد الهم ] ( 3 ) مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئاً سواه ، وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه ، إذ في الناس من لا دين له فعلا يعمل للآخرة ، وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ولا الأمن ولا الحق ، وفي الناس من يؤثر ( 4 ) الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت ، وفي الناس من لا يريد المال ويؤثر عدمه

--> ( 1 ) يبدو لي أن ابن قيم الجوزية لخص ما بقوله ابن حزم في هذه الفقرة دون أن يسميه فقال : ( الجواب الكافي : 136 ) قال بعض العلماء : فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد ، وان اختلفت طرقهم في تحصيله ، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم ، فهذا في الأكل والشرب ، وهذا في التجارة والكسب ، وهذا بالنكاح ، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة ، وهذا في اللهو واللعب ، فقلت : هذا المطلوب مطلوب العقلاء ، ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر إلى الاقبال على الله وحده ، ومعالمته وحده ، وايثار مرضاته على كل شيء ، فإن سالك هذا الطريق ان فاته حظه في الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه وان حصل للعبد حصل له كل شيء ، وإن فاته كل شيء ، وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنا الوجوه ، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه إلى ذاته وبهجته وسعادته ، وبالله التوفيق " . ( 2 ) قد تقرأ في ص : ومراداتهم ، لاضطراب الناسخ في كتابتها . ( 3 ) زيادة من م ، وفي ص بياض . ( 4 ) هذه قراءة م ، وفي ص صورة " يريد " .